الحارث المحاسبي
156
الرعاية لحقوق الله
باب معرفة التمييز بين الفضلين وكيف تدعوه نفسه إلى ذلك وقد يدخل في البر الذي له الفضل العظيم ، فتدعوه نفسه وعدوه إلى فضل هو أدنى منه ، كالمصلّى تدعوه نفسه وعدوه إلى سرعة القراءة لفضل كثرة الدرس ، فيصده عن الفهم ؛ لثقل الفهم على النفس ، وراحتها إلى الفكرة في الدنيا وحديث النفس بأمرها ، والفهم أولى به ؛ لرقة قلبه وهيجان خوفه . وكذلك قد يصلي وهو نشط قويّ فتدعوه نفسه إلى النوم ، فتقول له : إنه أقوى لك على البر غدا ، فيقطع الصلاة وليس به ضعف ، ولا يعرف من نفسه بالنهار ضعفا قاطعا . فإن عرف ضعفا قاطعا فلينظر حينئذ : إن كان يقطعه ذلك الضعف عما هو أفضل من الصلاة ، صلى بقدر ما لا يضعف بالنهار ذلك الدهر ، وإن كان يقطعه عما دون الصلاة أتم الصلاة ولم يقطعها . وكذلك المجلس : قد يكون فيه مما يستفيد فيه ما ينفعه ، فتذكر النفس برّا هو أدنى منه ، فيقوم إليه ويقطع ما هو فيه . وكذلك أن يكون صائما فيفطر لسرور أخ له لعله لا يغتم إن لم يفطر ، ولم يتكلف الطعام من أجله ؛ فإن كان تكلّفه من أجله ، أو علم أنه يغتم وهو أخ مستحق للأخوة سرّه وأفطر ؛ وإن كان غير ذلك من الإخوان لم يفطر ، إلا أن يكون تكلّف ذلك من أجله وحده ، أو يحلف عليه فيفطر حينئذ ، للحديث ، لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يبرّ القسم .